الأنشطة

تقديم العدد الثاني والثلاثين من معلمة المغرب
منذ 5 أشهر
تقديم العدد الثاني والثلاثين من معلمة المغرب
انعقدت صبيحة يوم السبت 17 مايو 2025 برحاب المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، جلسة علمية تم خلالها تقديم مواد وموضوعات المجلد الثاني والثلاثين من "معلمة المغرب"، وشارك فيها الأساتذة : مصطفى الشابي، نجاة المريني، إدريس شحو، نفيسة الذهبي، بلكامل البضاوية، وفيما يلي العروض التي ألقوها بالمناسبة. 
 
لمشاهدة الحفل المرجوا النقر على الرابط أسفله

أنقر هنا
169
مشاهدة

تعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن

anonymous

الأكثر مشاهدة

كلمة الأستاذة بلكامل البضاوية

ازدان  العدد 32  لمعلمة المغرب بحوالي، 155 مادة  شارك فيها 79 باحثا وباحثة.
وكما هو معهود، تثير المواد قضايا متنوعة تاريخية وجغرافية وبيئية وثقافية وتراثية.
التزامي بتقديم المواد الأثرية والتراثية حفزني للبحث عن الخيط الناظم أو الرابط الذي يلم بهذه العناصر ويجمع شتاتها من بين أعمدة العدد.
اخترت ترتيب المواد على النحو التالي :
1 ـ مادتان ليس إلا حول موقعين أثريين مغمورين،
2 ـ ثلاثة مواد أدرجتها تحت مسمى اثـنو- اركيولوجيا،
3 ـ خمسة عشرة مادة حول التراث، وهو الحاضر بقوة ضمن هذا العدد. ومن البديهي أن أعمد لتقسيمه إلى عدة مباحث لتسهيل الإحاطة به.
1 ـ الموقعان الأثريان هما :
*  ترحالت أو أنماي :  يقع  الموقع بدير الأطلس الكبير، بقبيلة زمران، ويعرف بين الساكنة بالمدينة أو المدينة البرتغالية، يؤرخ بالقرن 16م. يحتاج الموقع لمعول الأثري لضبط أصوله وتحديد امتداده الزمني والمكاني.
* قصبة الفرايطة بسوق أحد الفرايطة بقبيلة السراغنة. لا زال الموقع يحتفظ ببنايات شامخة ؛ هو بالنسبة للباحث "مدينة حقيقية".  يتوفر  الموقع  زيادة على عمارته السيكلوبية، على 70 مطمورة وصهاريج مبلطة.
يحتاج هذا الموقع للصيانة والترميم والتثمين
2 ـ المواد الاثنو- اركيولوجية، وهي ثلاثة مواد على النحو التالي :
* إدقى أو الفخار الواسع الانتشار بالريف الأوسط ؛ وتتميز كل قبيلة بلون وأوجه استعمال الفخار، ويتفوق دوار ثغرا بقبيلة بقيوة على باقي الدواوير.
تستحضر الباحثة مراحل الصنعة من البدء إلى التشكيل ثم التسويق. وتعتبر الفخار صنعة نسائية بامتياز.
* أسماس / القدر العظيم من النحاس. يطلق المصطلح  أيضا على الوليمة التي تحضر فيه، ولا يستبعد أن تعود الاحتفالية للعصر المرابطي. وتنظم لإقامة تحالفات أو تعزيزها.
يتشكل أسماس من مدقوق الشعير والحنطة وتحضر بلحم الخروف، ويشارك فيها الجميع بنصيب.
* ألواح أﮔـادير : تمت تزكية هذه الألواح من لدن السعديين (ق 16م)، ولعلها ترتبط بالدولة المرينية (القرن 14م.). هي مجموعة قوانين تنظم الحياة القبلية، ولا يعتبر لوح أجريف أول لوح شفوي تحول إلى كتابي، بل هناك عدة مخطوطات تبرز بأن للعرف المكتوب عدة أصول.
إن الفهم الأعمق للألواح وفق الباحث،  هو فهم لرصيد غني من الاقتصادي والاجتماعي للجنوب المغربي.
3 ـ التراث : هو المادة المتعددة بأنواعها وأشكالها، وهو المحور الذي يشمل عدداً أكبر من المتدخلين ؛ فرادى وجماعات : منهم باحثون متمرسون وشباب واعد.
يضم المحور التراث الشفهي وأيضا التراث بنوعيها المادي واللامادي على النحو التالي :
1 ـ التراث الشفهي يهم مادتين :
* تييورا ن يـيـﮔـنا    
* سلهام بورنازيل
* تييورا ن ييـﮔـنا : هو معتقد سائد بالجنوب الشرقي المغربي، ساقها الباحث نقلا عن بعض المسنين. ينتظر الساكنة انفتاح أبواب السماء،  التي لا تفتح إلا للمحظوظين الاتقياء ليلة القدر وكذلك خلال يومي الاثنين والخميس.
ب. سلهام بورنازيل الاحمر من التراث الشفهي الأسطوري بامتياز، اعتقد الناس بأنه مقاوم للرصاص أنجى صاحبه طويلا من الموت المحقق، ولما لم يلبسه لقي حتفه. اضحى السلهام من تركة مقاوم أيت عطا نايت خويا. يذكرنا السلهام ببرنوص الملك الموري بطليموس ابن يـوبا الثاني وبنهايته المفجعة.
2 ـ عناصر تراثية ثلاثية :
·            تنوضفي / المطفية : هي تقنية متميزة لتدبير ندرة المياه، وذلك بتجميع المياه السطحية خلال فترات تهاطل الأمطار. تنتشر بالأطلسين الكبير والصغير وبسوس لا زال بعضها مقاوما لعوادي الزمن. تستعمل مياه المطفية لأغراض مختلفة، وإن كانت موجهة أساسا لتأمين مياه الشرب للمقيمين والوافدين.
·            إﮔـرنان / القبور الجماعية : هي ثلاثة مقابر جماعية تحتوي على رفاة شباب وشيوخ وأطفال بقمم جبال صاغرو وجنوب شرق المغرب وعبر الأودية ؛ ومن ذلك واد بوﮔـافر. تدل على بشاعة جرائم فرنسا، إذ تمثل القتل الذي يعادل جرائم الإبادة خلال حروب فبراير ومارس من سنة 1933. هي حروب غير متكافئة بين المستعمر والساكنة. تكلف بعض الشباب بتجميع الجماجم المتناثرة. ولا زالت لا تعرف هوية معظم الشهداء. فالباحثون مطالبون بتكثيف الأبحاث حول معارك التحرير، ومنها حرب بوﮔـافر.
·            إيـﮔـودار / المخازن الجماعية : هي تراث خاص بأرياف الجنوب المغربي. تضبط آليات تدبيرها بقوانين عرفية يمكن اعتبارها أمرا فريدا خاصا بالثقافة المغربية.
·            تتجاوز مهمة تخزين الحبوب، بحيث تشكل مؤسسة ذات وظائف متعددة دفاعية واقتصادية واجتماعية. تتضمن عدة مرافق، ومنها الورشات الحرفية.
·            لا زالت تعرف دينامية سياحية ببعض مناطق الجنوب المغربي بإقليم ﮔـلميم وبشتوكا أيت باها.
3 ـ التراث المادي المعماري 
يشتمل هذا المبحث على معالم تراثية تنتمي لجهات بعينها، ومنها جهة الرباط - سلا - القنيطرة ؛ وأساسا معالم من العدوتين : الرباط وسلا. 
فمعالم الرباط تتمثل في متحفين يجمعان بين جنباتهما صورا من الماضي البعيد والقريب. فمتحف بنك المغرب الذي أقيم بداخل الوكالة القديمة للبنك ودشن في بداية القرن (2010) يتشكل من مسار تاريخ النقود، ومن رواق للفنون. وتنظم به معارض مؤقتة وورشات ؛ وكذا أنشطة ثقافية هامة. وينتمي متحف اتصالات المغرب لشركة اتصالات المغرب، وهي مؤسسة شبه عمومية تساهم في حفظ التراث وتثمينه.فهو أول متحف مخصص لتاريخ تكنولوجيا الاتصالات بالمغرب، يتيح الاطلاع على التطور التكنولوجي والمؤسساتي للاتصالات العالمية بصفة عامة والمغربية بصفة خاصة. افتتح المتحف رسميا في 24 شتنبر 2001.
أما المعلمة الثالثة الرباطية الواردة في هذا المجلد الثاني والثلاثين، فهي كاتدرائية القديس بطرس بساحة الجولان التي تنتمي لفترة الحماية، والتي شهدت عدة تعديلات باستمرار. تجمع بالنسبة لطرازها المعماري الداخلي بين الأسلوبين القوطي والإسلامي..
احتفلت طيلة سبعة أشهر بذكراها المئوية (من 23 نوفمبر 2021 وإلى غاية 29 يونيو 2022).
يمكن من خلال هذه المادة المتعلقة بالكتدرائية معرفة عدة مفاهيم واستحضار الطقوس الدينية ؛ بل التعرف على أسماء الأساقـفة الذين ترأسوا مراسيمها .
الكاتدرائية هي رمز للتعايش بين الأديان والحضارات والثقافات.
أما مواد العدد 32 للمعلمة المتعلقة بمعالم سلا التراثية، فغاصت في فنادقها وملاليحها ومدرستها الحرة.
لقد لعبت الفنادق السلاوية أدوار كبيرة في النشاط التجاري منذ العصر الوسيط وإلى حدود الستينات من القرن الماضي. امتد معظمها من باب فاس إلى باب سبتة مرورا بالسوق الكبير (الرحبة)، وانتشر بعضها الآخر عبر أطراف المدينة. لقد تغيرت مسمياتها بتغير أسماء مالكيها، بل استبدلت وظيفتها الأساسية بأخرى ؛ كفندق الزيت الذي اضحى مؤسسة طبية، وهو اليوم متحف خاص بالآلات الموسيقية. أحصى الباحث زهاء 39 فندقا، ولم تتبق منها إلا 8 فنادق محافظة على وظيفتها الايوائية للمستضعفين.
بالنسبة لملاليح سلا، فهي أحواض خاصة بملح الطعام. لم ترد أدنى معلومات حولها خلال العصرين الوسيط والحديث ولكن يستفاد من الأملاك المحبسة أهميتها. 
ويعد الباحث الفرنسي من زمن الحماية لوي برونو أول من قدم تفاصيل هامة حول شكلها وأسلوب العمل فيها. 
توقف نشاطها بسبب زحف العمران، وانضاف افولها إلى انقراض الشابل.
أما عن أهمية المدارس الحرة بالمغرب زمن الحماية، ومنها المدرسة المحمدية، فلا يخفى على مهتم بالشأن التعليمي أسباب نشأتها وأدوارها ونظام الدراسة بها وأسماء بعض أعلامها، ومن ذلك الفقيه المريني بسلا.
خارج مدار العدوتين (الرباط وسلا) اهتمت مواد بالمعلمة بمتحف فيلا هاريس بطنجة وبالمدرستين الفنيتين بتطوان والدار البيضاء. هي فضاءات لتعلم فنون الفن وأيضا خاصة بالعرض. والمتتبع لمساراتها من خلال مواد المعلمة المذكورة يدرك مدى صعوبة دمقرطة مناهج الفنون. ويستطيع من خلال هذه المواد التعرف على أسماء رواد الفن المغربي من قبيل عبد السلام بن العربي الفاسي وفريد بلكاهية بالدار البيضاء ومحمد السرغيني بتطوان.
لم يغب التراث اللامادي من أجندة العدد 32 للمعلمة، حضر من خلال الفروسية وطقوسها بأبي الجعد، وكذلك من خلال الأمثال والتراث الشعبي الغنائي الذي يرسخ أسماء مقاومين ؛ ناهيك عن الألغاز والأحاجي. فالأمثال حسب الباحث مقاصد سوسيولوجية ونقدية عاطفية، والأحاجي هي اختبار لذكاء الإنسان وفطنته. 
ما أحوجنا لتجميع شتات التراث اللامادي الغني بدلالاته وإيحاءاته من أجل أجيال المستقبل.
اختم بالحديث عن التراث الزراعي الذي قلما أدركنا أهميته. فإذا كان الجدل لا زال قائما بين أصل الزراعة والغراسة وعمر الأشجار المثمرة ومن ذلك الورديات، فأصنافها وتنوع مصادرها بين محلي ومستورد بالتربة المغربية تحثنا على الانتباه لديمومة الأصناف المحلية، ومن ذلك التفاح المحلي الذي أضحى مهددا بالانقراض. 
عندما نذكر التفاح، نعتز بأن الأسطورة موضعة الحدائق الغناء ذات التفاح الذهبي بموقع ليكسوس الأثري والأرض المغربية. 
هذه الأسطورة لوحدها تستحق أن تلهم المبدعين، وتشكل مادة ثقافية دسمة لأطفالنا، من اجل غرس روح الاعتزاز بعمق تاريخنا الزراعي.
الخاتمة :  معلمة المغرب كما هو وارد في صفحتها الأولى وكما أراد لها مؤسسها العلامة محمد حجي وطاقمه منذ إيداعها قانونيا بالمكتبة الوطنية تحت رقم 0629/ 1984 "هي قاموس مرتب على حروف الهجاء، يحيط بالمعارف المتعلقة بمختلف الجوانب التاريخية والجغرافية والبشرية للمملكة المغربية". صحيح أن مصطلحا أثار وتراث غير واردين بالصفحة السالفة الذكر، ولكن مصطلحا التاريخ من جهة والحضارة المغربية من جهة ثانية جعلا من هذين العلمين واقعا حتميا. لم تغب بتاتا المعالم والمواد الأثرية من أعمدة المعلمة منذ عددها الأول. فالمواقع المشهورة أو المغمورة حاضرة بقوة، وكذلك المواد الأثرية ممثلة في الفخار، والفسيفساء، والمسكوكات، ناهيك عن أعلام الأثار وهم أساسا أوربيون لأنهم شكلوا الحلقة الأولى في هذا التخصص. لقد احتفل المعهد الوطني لعلوم الأثار والتراث بعقده الرابع، ونتابع عبر وسائل التواصل الاجتماعي جديد الحفريات الأثرية أو القراءات المستنيرة حول بعض المعالم والمواقع الأثرية، وارتفع عدد خريجي المعهد، وتنوعت أبحاثهم، واكتسب بعضهم صيتا عالميا، ولكن نسبة مشاركاتهم في المعلمة سواء في الأعداد القديمة أو العدد 32 لا ترقى للمطلوب. لا زالت الجامعة المغربية تقوم بالواجب. لعل قراءتي المتواضعة لمواد الأثار والتراث ضمن العدد 32 ستستنهض الهمم وتنبري أقلام شباب شغوف بأثار بلاده وتراثها، لأنه لديهم الكثير الذي يمكنهم أن يضيفوه لمواد المعلمة التي هي منهم وإليهم.
يستوجب العرفان ذكر أسماء من أرسوا قواعد معلمة المغرب، وعلى رأسهم الفقيد المؤسس محمد حجي على روحه وأرواح من فقدناهم من الرواد السلام، والتحية والتقدير لأعضاء لجنة التحرير منذ النشاة وإلى الراهن. 
أتقدم بعبارات الاجلال والاكبار للباحثين الذين ساهموا في اغناء مواد المعلمة منذ البدايات، ومنهم المساهمون في العدد 32.
لا أنسى الزميلات والزملاء الذين أنيطت بهم مهمة قراءة مضامين العدد 32، وأيضا من تحملوا مسؤولية التتبع والفهرسة والتنظيم، ومنهم العزيزان محمد بلعربي وفاطمة الزين، وأيضا الوزارات والمعاهد المدعمة، والحضور الكريم الذي تابع القراءات خلال لقاء 17 ماي 2025 بالمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، وغني عن البيان أن أعرب عن شكري البالغ وعظيم امتناني لأستاذي الفاضل مصطفى الشابي الذي فوض لي مهمة استحضار المواد التي لها صلة بالأثار والتراث.
أرجو أن تحفز قراءتي الموجزة جمهور القراء على العودة للمواد الأثرية والتراثية، وأنصحهم بأن يسارعوا، فهناك مواد ستفيدهم، وأخرى ستسعدهم كما أسعدتني ؛ هي مواد طريفة جعلت دموع الفرح تنهمر على خدي مدرارا مدرارا.
الببليوغرافية : مواد معلمة المغرب الأثرية والتراثية، العدد 32، 2025.
* إبراهيم بديدي، التفاح فاكهة وتراث زراعي، ص. 89-93. 
* محمد بلعربي، مدرسة الدار البيضاء للفنون الجميلة، ص. 287-288. 
* نفسه، المدرسة الوطنية للفنون الجميلة بتطوان، ص. 288. 
*عبد اللطيف البودجاي، متحف فيلا هاريس، ص. 280-282. 
* بشرى حبوبة، كاتدرائية القديس بطرس، ص. 239-242.
* نعيمة الحضري، متحف اتصالات المغرب، ص. 276-278.
* نعيمة الحضري وعبد السلام لعيب، متحف بنك المغرب، ص. 278- 280.
* حسن رامو والمحفوظ اسمهري ومبارك أيت عدي، ألواح أﮔـادير، ص. 267- 269. 
 
نفس الأسماء، إيـﮔودار (المخازن الجماعية)، ص. 44- 46.
 *حسن رامو وفاطمة الزهراء شحو، تنوضفي / المطفية، ص. 93-94.
* محمد السعديين، فنادق سلا، ص. 223-225.
* نفسه، ملاليح سلا، ص. 307-309.
* الحسن شوقي، ترحالت / أنماي، ص. 88- 89،
* نفسه، قصبة الفرايطة نضيف لما سبق وتحضر الوليمة، ص. 235.
* عبد الرزاق الصافي، التراث اللامادي بأبي الجعد، ص. 81- 84.
* صباح علاش، إدقـي / الفخار، ص. 16-19. 
* عبد الوهاب المريني، المحمدية، مدرسة حرة بسلا، ص. 284-286. 
* مصطفى ملو، إﮔـرنان / قبور جماعية، ص. 32-33.
* نفسه، تييورا ن ييـﮔـنا (انفتاح أبواب السماء)، ص. 98.
* نفسه، سلهام بورنازيل، ص. 163.
* الوافي النوحي، أسماس أو القدر العظيم من النحاس، ص. 25- 26.
 
                                                               الرباط، في يوم السبت 17 مايو  2025
                                                                        الأستاذة بلكامل البضاوية 
 

كلمة الأستاذ إدريس شحو

 
أيها الحضور الكرام
 
أتشرف بأن أقدم بين يديكم المواد المتعلقة بالجغرافيا والعلوم الطبيعية، الواردة في هذا العدد 32 من معلمة المغرب. وقد كان الأولى أن يقدمها صاحب الشرف المغفور له سيدي إدريس الفاسي، الذي توفاه الله تعالى، ولم يغادر هذه الدنيا إلاَّ بعد أن راجع معي هذه المواد التي ناهزت 25 مادة. أذكر بأنه قد أتم السنة منذ أن وافته المنية رحمه الله، حيث التحق بالرفيق الأعلى يوم 29 أبريل 2024، والآن نحن في 17 ماي 2025. أجل عام مضى على وفاته... لقد كان له الفضل علي، إذ قدمني وألحقـني بهذه اللجنة للاشتغال معه ومع الإخوة الآخرين، الساهرين على هذا الورش الكبير المفتوح "موسوعة معلمة المغرب". فهو الذي درج على تقديم هذه المواد المتعلقة بالجغرافيا والعلوم الطبيعية في كل الأعداد الصادرة ؛ لكن غيبه الموت... ولم تغب روحه.. ولم يغب عطاءه..
فهو يعتبر من المؤسسين لهذا العمل موسوعة "معلمة المغرب" ؛ إذ رافقه تحريراً وإسهاماً منذ أربعين سنة خلت؛ فرحمتك ربي للأستاذ الفاسي، الذي شهد لك بالوحدانية، ولنبيك بالرسالة.. ومات على ذلك.
أيها السادة الأعزاء
أتقدم بمواد الجغرافيا والعلوم الطبيعة التي قسمتها إلى ثلاث مجموعات:
ـ المجموعة الأولى : تتعلق بالتراث الطبيعي والسياحي بالمغرب.
ـ المجموعة الثانية : التراث البشري بالمغرب. 
ـ المجموعة الثالثة : تتعلق بما أسميته بالمغرب الحديث.
لا يفوتني قبل أن أبدأ بتناول هذه المواد، أن أشير إلى أننا من خلال المعلمة، نرصد التراث الطبيعي والبشري لهذا الوطن العزيز، ونسهر على التعريف به. وبما أنني مكلف بهذا الشق، ألفت انتباهكم إلى أن المغرب يشكل استثناء بكل المقاييس على المستوى البيئي... فنحن ننتمي إلى البلد الذي يُـعتبر الأشد تنوعاً وغنىَ على مستوى الشمال الإفريقي... فالمغرب تهيكله ثلاث سلاسل جبلية تشغل حوالي 147 ألف كلم مربع، ويحده بحر، ومحيط، والصحراء في الجنوب، مما جعل منه جوهرة وكنزا طبيعيا وبشريا لا نظير له. أجل، نحن نمتلك الغابات الأجمل والأوسع، إذ تصل مساحتها 9 مليون هكتار... هذه الغابات والجبال والبحار منحتنا عمقاً زراعياً يمتد على مدى 1000 كلم، من طنجة إلى أﮔـادير.
فنحن الأوفر حظا والأغنى من حيث التراث البيئي والطبيعي، بفضل هذه الجبال التي تستقطب التساقطات المطرية المتسللة من الواجهة الأطلنتية، فتتيح موارد مائية وفيرة تروي المغرب ذات اليمين وذات الشمال. وذلك من خلال أنهار كبرى ووسطى وصغرى تغذي القسم الشمالي الغربي منه، على غرار: نهر سبو، نهر أم ربيع، نهر اللوكوس، تانسيفت، سوس، ورغة... وأخرى تروي الجهة الشرقية والجنوبية الشرقية كواد ملوية، واد زيز، واد درعة، واد غريس... وكلها تنبع من جبال الأطلس والريف، فتوزع الخصب والنماء بكل ما تنطوي عليه الكلمة من معنى، جاعلة من المغرب استثناء بيئياً لا مثيل له.
ولئن كان المعدل الوطني للتساقطات عندنا لا يتجاوز 300 ملم، فإن هذه العاليات جعلت المغرب يحظى بتنوع بيئي وحيوي فريد، إذ وراء كل قمة أو ربوة أو أكمة، أو في بطون الأودية والمنخفضات... يمكن أن نصادف نظاما بيئيا فريدا يعكس ثراء طبيعيا أو حيويا لا نظير له. ولذلك حُــقَّ لنا أن نفتخر بهذا الوطن في عمقه التاريخي الذي أُسْنِدَ لإخوة آخرين من ذوي التخصص ؛ وفي بُعده الجغرافي والطبيعي الذي توليت الإشراف عليه.
وتتناول المواد الجغرافية والطبيعية التي وردت في العدد 32 من المعلمة، مواضيع جوهرية واستثنائية بالنسبة للمغرب، بل وبالنسبة للشمال الإفريقي والمتوسطي والعالمي أيضا.
1- التراث الطبيعي والسياحي
- غابة أرﮔـان تسيلي : فيما يتعلق بالكتلة الأولى من المواد التي كرسناها للتراث الطبيعي والسياحي، أخذنا كمثال "تشكيلة أرﮔـان تسيلي"، المعروفة محليا بـ "ارْﮔنات بوشكال". وهي عبارة عن غابة صغيرة جدا لشجر أرﮔـان ؛ توجد على أبواب الرباط، وأنا متأكد أن %99 من الحاضرين لا يعلمون وجود هذه التشكيلة الغريبة، باعتبار أن أرﮔـان يرتبط في أدهانهم بحوض سوس وسفوح الأطلس الكبير الغربي والأطلس الصغير الشمالي الغربي، وهي المناطق التي تؤوي 870 ألف هكتار من شجر أرﮔـان، الذي هو نوع متوطن قبيس Endémique ولا نظير له في العالم. وتنعت هذه التشكيلة بكونها تعتبر غابة بستان Forêt-verger بالنظر لكونها غابة تلقائية نمت بشكل طبيعي ؛ ثم هي مُثمِرةٌ تعطينا ثمارا تشبه اللوز، ويستخلص منها واحد من أجود أنواع الزيوت في العالم "زيت أرﮔـان". فغابة أرﮔـان تغطي مجالا يُفترَض أنه صحراوي، لولا جبال الأطلس التي شكلت درعاً واقياً أنشأ هذه البيئة، وصنع هذه التوازنات البيئية الاستثنائية. هذه الغابة يوجد لها نظير في واد ﮔـرو الأوسط على مقربة من العاصمة الرباط، محتلة حوالي 1000 هكتار من شجر أرﮔـان ؛ مما أدى إلى تصنيفها كموقع ذي أهمية بيولوجية وإيكولوجية Site’Intérêt Biologique et Ecologique. لذا استحق هذا المكان أن يُعَرَّف به ويُكتَبَ عنه ؛ مما سيشكل تثمينا له، في إطار ما يسمى يالسياحة الإيكولوجية لفائدة المنطقة والأهالي.
- منتزه أقشور ومنتجع کابو نیـﮔرو : من المواد التي وردت في هذه الكتلة أيضا، وهي ذات بعد طبيعي سياحي، منتزه أقشور ومنتجع کابو نیـﮔرو. وهنا فإننا نتحدث على شمال المغرب الجميل ؛ هذا الشريط الساحلي الممتد من طنجة حتى الحسيمة، والذي نُطلق عليه عدوة الأندلس الجنوبية، في مقابل عدوة الأندلس الشمالية (إسبانيا حاليا) التي طرد منها مليوني أندلسي، أوروبي مسلم. لقد طردوا ابتداء من سنة 1492 وما بعدها، واستقروا في شمال المغرب، حيث صنعوا أندلساً تذكرهم بذكرياتهم وديارهم وفردوسهم المفقود. وكما تعلمون فإن مؤسس مدينة شفشاون مثلا يسمى أبو الحسن علي بن راشد العلمي، وهو أندلسي موريسكي. ولعلكم مثلي شاهدون على التحول الذي يعرفه الشمال المغربي، والذي ما انفك يجلب السياح من كل حدب وصوب (السياحة الوطنية والدولية)، مما دفعنا إلى اختيار بعض المواقع السياحية منه، مثل منتزه أقشور ذي البعد السياحي الإیکولوجی، ومنتزه كابو نيـﮔرو الذي يشكل فضاء مثاليا للسياحة الشاطئية.
- غابة بنسليمان : بخصوص الجانب الطبيعي أيضا، تم التطرق إلى غابة بنسليمان التي ليست إلاَّ امتدادا لغابة المعمورة الساحلية واطئة ؛ لا يوجد مثلها إلا في المغرب وهي غابة سهلية، وما أندر الغابات السهلية. لقد آوت شجر البلوط الفليني الممتد بين المعمورة وغابة بنسليمان، مما جعل الساحل، الأطلنتي من القنيطرة وحتى الدار البيضاء، ينعم بفضاء أخضر طبيعي. وهي فضلا عن ذلك غابة إنتاج وغابة وقائية Forêt de production et de protection ؛ وقد ساعدت على التثبيت البيولوجي لهذا المجال الهش بيئيا، بل وصنعت لنا تربة انطلاقا من تكونات رملية حمضية، وقبلت الاستبطان فوق تربات فقيرة. ولذلك فإن غابة البلوط الفليني هذه لا تستحق التقدير؛ بل تستحق التقديس لأنها قبلت بالعيش في أوساط فقيرة جداً. ثم أنها غابة المجالات الواطئة، علما بأن معظم غابتنا آوت وفرت إلى سفوح وقمم الجبال. وبالتالي فغابة بنسلیمان جديرة بأن يكرس لها ركن خاص في هذا العدد من المعلمة.
- سد بين الويدان : يعتبر هذا السد واحدا من أكبر السدود وأقدمها بالمغرب ؛ أسس سنة 1953 على نهر واد العبيد أحد روافد واد أم الربيع. وقد أُنشِئَ لري سهل تادلا الذي أصبح أول قطاع فلاحي عصري تمت تهيئته بشكل الحديث. وبالنظر للأهمية القصوى التي يكتسيها بالنسبة للاقتصاد المحلي والوطني، فقد استحق هذا السد أن يُدرج بالمعلمة.
- التفاح : يبدو الحديث عن فاكهة التفاح أمرا غير ذي جدوى ؛ والحال أننا لا نعلم بأن معظم أنواع التفاح المستهلكة محليا هي من الأنواع المستوردة، التي تم استزراعها في المغرب منذ الفترة الاستعمارية. مما أدى إلى التخلي عن الأصناف المحلية الأصيلة ؛ وهذا أمر يؤسف له، لأن في ذلك فقدان للتنوع البيولوجي الزراعي الوطني. من هنا، ولأجل إعادة الاعتبار للأصناف المحلية البَلْدِيَة (المغربية)، انبرى أحد المؤلفين المساهمين في المعلمة، للكتابة عنها في أفق اعتمادها من قِبَلِ المعنيين بتدبير الشأن الفلاحي في المغرب. نذكر في هذا السياق، بأن ثمة فواكه أخرى ذات أصل مغربي لقيت ذات المصير، مثل إجاص المعمورة الذي تم التخلي عنه لصالح أصناف دخيلة، ولم تُعطاهُ الأهمية التي يستحقها كتراث نباتي وطني...
- جيوبارك مـﮔون : من ضمن المحميات التي يعرف عنها المغاربة بعض المعلومات، نذكر المنتزهات الوطنية والطبيعية. بيد أن ثمة مفهوم جديد ظهر إلى الوجود يتعلق بما يعرف بالمنتزه الجيولوجي، المعروف اختصارا بجيوبارك Géoparc (جيو - منتزه). هذا النموذج الذي تم اعتماده من خلال جيوبارك مـﮔون الذي أنشئ في منطقة أزيلال، حيث تم العثور على الهيكل العظمي لديناصور فريد من نوعه. يعتبر هذا المنتزه الجيولوجي الأول من نوعه في إفريقيا؛ وقد أعطى قيمة كبرى للمنطقة مما جعلها قبلة للسياحة الجيولوجية Géotourisme والإيكولوجية والعلمية، التي تحفز الزوار على للمجيء لزيارة المنتزه، واكتشاف الهيكل العظمي للديناصور الذي عثر عنه بالمنطقة حيث أُقِيمَ له متحف خاص بمدينة أزيلال. 
- زلزال الحوز : يتعلق الأمر بالزلزال العنيف الذي يعتبر من أخطر الكوارث الطبيعية التي هزت منطقة الأطلس الكبير الغربي في الثامن من سبتمبر 2023، مخلفة خسائر جسيمة في الأرواح والمنشآت. وبالنظر لروح المواطنة التي أبان عنها المغاربة، فقد حصل تضامن كبير حفز الناس على المساهمة المادية والمعنوية لفائدة الأهالي المحليين من أجل تجاوز تلك المحنة الكبيرة.
II- التراث البشري بالمغرب
شملت هذه المجموعة الثانية عدة مواضيع منها سلالات أغنام المغرب (الصردي - بني ﮔيل - تيمحضيت)، وكذا مدن مغربية صاعدة (الفنيدق - المضيق - مارتيل)؛ فضلا عن جوانب بشرية أخرى عُنِيتْ بالتراث المادي (كاتدرائية القديس بطرس بالرباط)، واللامادي المتمثل في مدونة الأحوال الشخصية.
- سلالات أغنام المغرب (الصردي - بني ﮔيل - تيمحضيت) : هذه المادة تعرف ببعض أصناف الأغنام المحلية. فمن المعلوم أن كلا منا عندما يرغب في اقتناء كبش الأضحية في العيد الكبير (عيد الأضحى)، فإنه غالبا ما يختار أحد الأصناف التالية : الصردي ولعله أشهرها، يليه من حيث الأهمية نوع تيمحضيت، ثم صنف بني ﮔيل... علماً بأن هذه الأصناف تنتسب إلى سلالات مغربية قُـحَّة، بل هي قبيسة حتى، لكونها لا توجد في بلد آخر من العالم وباعتبار جودة لحومها. لذلك فهي حرية بالصون والتثمين، حتى لا تضيع أو تنقرض كتراث وطني نفيس، نتيجة منافسة الأصناف المستوردة من إسبانيا وأستراليا... التي باتت تغزو السوق الوطنية في السنوات القليلة الماضية.
- مدن الفنيدق والمضيق ومارتيل : يتعلق الأمر ببعض الحواضر الحديثة التي بزغت إلى السطح وباتت تشهد دينامية ملحوظة خلال العقود الأخيرة، هي عبارة عن مراكز حضرية صاعدة Villes émergentes تؤثث شمال المغرب الجميل، الذي أمسى يعرف تحولات سوسيو- مجالية هائلة. هذه المدن الناشئة، كانت بالأمس عبارة عن قرى صغيرة، وأصبحت الآن تتطور بوتيرة سريعة، نتيجة تطور القطاع السياحي بها، بما في ذلك السياحة الداخلية والدولية.
- كاتدرائية القديس بالرباط : عندما نزور العاصمة الرباط، لعل أول ما يلوح في الأفق بناية شامخة تحتل وسط المدينة، وتتمثل في كاتدرائية القديس بطرس التي هي عبارة عن كنيسة ضخمة تؤمها الطائفة المسيحية المقيمة في الرباط أو القادمة من مناطق مختلفة من المغرب. إن وجود هذه الكاتدرائية في قلب العاصمة السياسية للبلاد، لهو مؤشر حقيقي على روح التسامح التي تسود هذا الوطن العزيز، وينعم بها كل المغاربة الذين يعتبرون الكاتدرائية جزءاً من التراث الوطني المادي، ودلالة على الغنى الحضاري والثقافي، والتنوع العقائدي والديني بالمغرب. 
- مدونة الأحوال الشخصية : عرف المغرب تنظيم الأحوال الشخصية منذ بلوغ الإسلام إلى هذه الديار. بيد أنه وغداة فجر الاستقلال قرر المغفور له محمد الخامس سنة 1957 أن يمكن المغرب من مدونة أحوال شخصية تليق ببلد مستقل ومستقر، وذو هوية وطنية أصيلة. وهكذا استدعى زمرة من العلماء دونوا الأحوال الشخصية المتعلقة بأحوال الزواج وأحوال الطلاق والإرث... على نحو موافق لروح الشريعة الإسلامية، ومنفتح على روح الحضارة الحديثة والقوانين الدولية. لقد طفق المغاربة يعملون بها إلى حدود سنة 2004 عندما تم إصدار مدونة الأسرة التي مثلت مرحلة جديدة في سيرورة المغرب الحديث.
III- المغرب الحديث
بالنسبة لهذا العنصر الثالث والأخير، فإنه يتطرق إلى القفزة النوعية التي شهدها المغرب الحديث على المستوى المنجزات الكبرى خلال العقود الثلاثة الماضية، ولعل أبرزها قطار البراق، وترامواي الرباط، ومحطة نور ورزازات، وميناء طنجة المتوسط، المدينة الذكية بالمغرب ومعبر الـﮔرﮔـرات. 
- قطار البراق - ترامواي الرباط : هذا القطار المكوكي الذي تتجاوز سرعته 300 كلم في الساعة، أصبح معلمة مغربية متحركة تختزل الزمان، وتربط شمال المغرب بوسطه. يعتبر الأول من نوعه في إفريقيا والعالم العربي، كما يندرج ضمن الأوراش الملكية التي لها اليد البيضاء على هذا البلد. لقد تم تدشينه سنة 2018، مشكلا ثورة وطنية على مستوى النقل؛ حيث تمكن من نقل زهاء خمسة ملايين مسافر إلى حدود عام 2023، أي بمعدل مليون مسافر كل سنة. ومما لا شك فيه أن هذه الثورة ستتواصل في مجال النقل بتدشين الخط الجديد للخط السريع، الذي سينطلق من القنيطرة إلى مراكش، مرورا عبر محطات ستستفيد هي الأخرى من خدمات هذا القطار فائق السرعة.
في ذات السياق، وضمن المجهودات الجبارة التي يبذلها المغرب في تطوير قطاع النقل، تم تدشين ترامواي الرباط في 18 ماي 2011. هذه اللؤلؤة المتحركة التي صارت جزءاً من هوية عاصمة البلاد الرباط، ورمزا عصريا لها، إضافة إلى صومعة حسان بما هي رمز تاريخي حضاري. لقد تم التطرق إليه بشكل مفصل جميل، حيث كتبت عنه باحثة خصصت أطروحة دكتوراه كاملة لترامواي الرباط، واقتبست لنا من هذه الدكتوراه هذا الإسهام الذي سيخلد ترامواي الرباط.
- محطة نور ورزازات : عندما نذكر المغرب الحديث لابد من أن نتطرق إلى أحد الإنجازات الكبرى، التي خرجت إلى الوجود خلال العشرية الماضية من القرن الحالي؛ وتخص محطة نور ورزازات لتوليد الطاقة الشمسية، هذه المحطة التي تم تدشينها سنة 2016، تعد بحق فخر المغرب، إذ هي الأكبر من نوعها على المستوى العالمي؛ حيث تغطي مساحة شاسعة تمتد على ما يناهز 3200 هکتار. وتوفر الطاقة النظيفة بكلفة رخيصة، حيث تحقن في التيار الكهربائي الإجمالي الذي يعمل على تلبية الحاجيات الوطنية. ومما لا شك فيه أن لهذه المحطة ما بعدها، إذ خطط المغرب لإنشاء خمس محطات أخرى مثلها كمحطة بني مطهر، ومحطة ميدلت، ومحطة إفني... إضافة إلى المحطات الريحية التي أنشئت قبلها، والتي ستزود المغرب في أفق 2030 بحوالي %52 من حاجياته الطاقية؛ بدل الطاقات الأحفورية المكلفة والملوثة، المعتمدة الـﮔـزوال أو الفحم الحجري. وبذا يكون المغرب قد حقق قفزة تكنولوجية نوعية على الصعيد العالمي، إذ يعتبر من الدول العشر الأوائل التي تبنت سياسات رائدة فيما يتعلق بتطوير وتشجيع الطاقات البديلة النظيفة، شمسية كانت أو ريحية أو المائية القائمة على السدود.
- ميناء طنجة المتوسطي : لا يفوتنا في هذا المقام، أن نتحدث على مشروع ضخم جداً أقدم المغرب على تدشينه خلال العقدين المنصرمين، ويهم ميناء طنجة المتوسطي، الذي يندرج ضمن الموانئ العشرة الأولى عالميا. هكذا، وبعد أن انطلق كفكرة بسيطة في البدء، أصبح الآن معلمة وطنية كبرى يحق للمغرب أن يفتخر بها. لقد أصبح نموذجا يستلهم لدى عديد من البلدان؛ ونظراً للنجاح الكبير الذي حققه، انبرى المغرب لبناء ميناءين نظیرين له : واحد فی مدينة الناظور، وآخر في مدينة الداخلة الأطلنتي، مما سيجعل المغرب في أفق العشر سنوات المقبلة قطب الرحى بالنسبة للنقل والربط بين القارتين الأوروبية والأفريقية من جهة، وبين القارات الأمريكية والأوروبية والافريقية من جهة ثانية. وباعتبار الموقع الاستراتيجي للمغرب في قلب العالم، فستكون ميناء طنجة المتوسطي إضافة إلى باقي الموانئ التي هي طريق الإنشاء، بمثابة نقط مضيئة... نقط إشعاع محليا، وجهويا، وعالميا.
- المدينة الذكية المغرب : اقـتحم المغرب تجربة جنينية تخص تطوير المدن الذكية؛ وهي وإن كانت في بدايتها، فإنها بدأت تتبلور في مدن كبرى كالرباط والدار البيضاء... وبما أن عالم مستقبل قائم على اعتماد الذكاء الاصطناعي الذي بات يتطور بسرعة كبيرة، فإن المغرب معنيٌّ بهذا الشأن، ومدعو لخوض تجربة المدن الذكية، خاصة وأنه مقبل على تنظيم كأس العالم لكرة القدم سنة 2030؛ هذه التظاهرة الكونية التي تفرض على المغرب أن يكون قد خطا خطوات عملاقة في ميدان التواصل والعالم الافتراضي.  
- معبر الـﮔرﮔـرات : أخيراً، وفي شأن المغرب الحديث، اهتم بحث من بحوث تضمنها المجلد 32 من موسوعة "معلمة المغرب" بهذا الموقع الستراتجي المهم من وطننا العزبز، ويتعلق الأمر بمعبر الـﮔرﮔـرات. هذا المعبر الذي اكتسب شهرة كبيرة خلال السنوات القليلة الماضية؛ من حيث أنه أصبح معبراً دوليا منفتحا على العمق الإفريقي الذي ارتضى المغرب أن يزكيه ويكرسه خلال العقدين الأخيرين. هكذا، وبعدما كان اهتمامنا منصبا باتجاه الشمال (أوروبا)، بات المغرب يكرس المنطق القائل بأن "المغرب شجرة جذورها في إفريقيا، وفروعها بأروبا". والحقيقة أن الجذور هي التي تثبتنا وتشدنا بقوة إلى الأرض، وبالتالي أولى بالاهتمام والعناية. لقد انتبه المغرب إلى هذه الحقيقة، وطفق يوليها الأهمية التي تستحقها؛ ومن ذلك أنبوب الغاز الذي سيربط إفريقيا مع أوروبا مرورا عبر المغرب. إن هذه المبادرة هي إبداع مغربي بامتياز، فخط الغاز هذا الذي يفترض أن ينطلق من نيجريا، سيعبر 14 بلدا إفريقيا ليزودها بحاجياتها من هذه المادة الحيوية، قبل أن يصل إلى المغرب بلد العبور باتجاه أوروبا، علما بأن هذه الفكرة العبقرية بكل المقاييس، ستكرس سياسة المغرب الرامية إلى فتح المحيط الأطلنتي في وجه البلدان الإفريقية التي لا منفذ لها على الساحل، مثل دولة مالي، والنيجر، وتشاد... ومما لا شك فيه أن مرور هذا الأنبوب عبر الـﮔرﮔـرات سيُكسِب هذا المعبر أهمية اقتصادية وبعداً دولياً؛ فضلا عن كونه ممراً اقتصادياً لمئات الشاحنات التي تنقل البضائع والمنتجات التي يصدرها المغرب باتجاه إفريقيا.
 
                                                                 الرباط، في يوم السبت / 17 مايو  2025
                                                                                  الأستاذ إدريس شحو 

كلمة الأستاذ مصطفى الشابي

في صبيحة يوم السبت 14 يناير 2023، انعقدت جلسة علمية برحاب الـمكتبة الوطنية للمملكة المغربية بغاية تقديم مواد وموضوعات الـمجلد 31 من موسوعــة "معلمة المغرب". وجريا على هذه العادة الحميدة التي كان قد ارتآها مؤسس الجمعية المغربية للتأليف والترجمة والنشر الأستاذ محمد حجي، رحمه الله، عند صدور أول مجلد من الموسوعة المذكورة سنة 1989، ها نحن اليوم نقوم بنفس العملية بمناسبة صدور المجلد 32، حيث يقدم مواده وموضوعاته الزملاء أعضاء المكتب المسير لجمعيتنا نجاة المريني، ونفيسة الذهبي، وإدريس شحو، والباحثة المتميزة السيدة بلكامل البضاوية، كل واحد منهم حسب تخصصه العلمي ومجال تدريسه بالجامعة.  
وسیراً، أيضا، على الخطة التحريرية في "معلمة المغرب"، فإننا حرصنا على تضمين العدد الثاني والثلاثين الذي نحن بصدد تقديمه في جلستنا هذه، نماذج معبرة ومتنوعة من النابهين من المغاربة الذين رحلوا عنا إلى دار البقاء، رحمهم الله، قصدنا من خلال ذلك التذكير والتعريف على نطاق واسع، ولا سيما في صفوف الشباب، برجالات بصموا الحياة الفكرية، والسياسية، والاجتماعية، في وقتهم، خلال الستة عقود الماضية، أي منذ ستينات القرن الماضی وحتى توفاهم الله، أذكـر منهم، هنا، على سبيل الاستئنـاس لا الحصـر، المرحومين بكـرم الله، عباس بن عبد الله الجراري، وعبد الواحد الراضي، وعائشة الشنا، ومحمد نوبير الأموي، ومحمد الحبابي، وعبد الرحمن بن محمد أنگاي، أحد الناشطين في الحركة الوطنية في شمال المغرب، وأول رئيس للديوان الملكي غداة استقلال المغرب سنة 1956، والممثلة أمينة رشيد، والرسام حسن الـﮔـلاوي، ومحمد بن أحمد بن شقرون المراكشي والأستاذ الجامعي المتميز، المتضلع في شتى مناحي الثقافة العربية الإسلامية والحضارة المغربية، والمختار ولد أبـــاه...
وفي المجلد أيضا، ذكر لعدد من المنجزات الكبرى تم تشييدها في السنوات الأخيرة في مجال البنية التحتية كميناء طنجة المتوسط، أو محطة نور بمدينة ورزارات لتوليد الطاقة النظيفة، أو في قطاع النقل كالقطار فائق السرعة البراق، أو طرامواي الرباط، أو معبر الـﮔرﮔـرات الذي أضحى نقطة اتصال مهمة بين المغرب وموريطانيا، ومنها إلى باقي البلاد الإفريقية جنوبي الصحراء.
ويجد القاریء، وهو يتجول في ثنايا المجلد 32 مادة مفيدة وممتعة حول المنتزهات الطبيعية الجميلة المنتشرة في ربوع المغرب، كمتنزه أقشور الممتد في المجال الترابي بين مدينتي شفشاون وتطوان في اتجاه واد لاو، أو جيوبارك مـﮔـون، أو مُـنتجع كابُــو نيـﮔـرو...
وفي هذا المجلد 32 من "معلمة المغرب" بحوث و دراسات حول التنوع الطبيعي، والنباتي، والحيواني الذي ينفرد به المغرب دون غيره من أقطار المنطقة التي ينتمي إليها، كغابة ابن سليمان، وسلالات أغنام بنی ﮔـیل، وتمحضيت، والصردي، وصيد السمك الشابل في نهر أبي رقراق في الفترة ما بين 1702 و1994، وما صار عليه هذا النشاط فيما بعد.
هذا، وإنه ليسعدني جداً أن انتهز الفرصة لأتقدم بصادق عبارات الشكر والامتنان إلى الزملاء الأساتذة والباحثين الذين أمدونا بالمواد والموضوعات المعالجة في المجلد 32، راجيا منهم ومن غيرهم الاستمرار في إغناء رصيدنا المعرفي في كافة المجالات حول بلدنا الأمين، بثمرات تفكيرهم واجتهادهم. وأحب، أيضا بهذه المناسبة، أن أذكر أنه لمن الواجب علينا، نحن الذين ورثنا هذا الإنجاز الثقافي العظيم، والذي يُعتبر بحق منارة مشعة علميا، وثقافيا، فريدة من نوعها وطنيا، وجهويا، بل وعربيا أيضا، أن نعترف بالجميل لذوي الفضل والأيادي البيضاء على جمعيتنا، إذ لولا دعمهم المعنوي والمادي، ما أمكننا مواصلة إصدار "معلمة المغرب"، بل ما أمكنها، قط، البقاء في المشهد الثقافي المغربي، وأقصد هنا، السيدين المحترمين أحمد التوفيق، وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، ومحمد المهدي بنسعيد، وزير الثقافة، والشباب، والتواصل. والشكر موصول، أيضا، إلى الأستاذ أحمد بوكوس، مدير المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية الذي تفضل باستضافتنا بكل تلقائية وأريحية في هذه البناية الفسيحة الأرجاء والجميلة العمران. 
وفقنا الله إلى ما فيه خير البلاد والعباد، وأمدنا بعونه، وشملنا بستره حتى نواصل عملنا ونؤدي مهمتنا على أحسن وجه، في كنف صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده، والسلام.
 
                                                                    الرباط، في يوم السبت 17 مايو 2025
                                                                             الأستاذ مصطفى الشابي
                                                              رئيس الجمعيـة المغربية للتأليف والترجمة والنشر

الجمعية المغربية للتأليف والترجمة والنشر

ASSOCIATION MAROCAINE POUR LA PRODUCTION LITTERAIRE, LA TRADUCTION ET L’EDITION

رقم الحساب البنكي : 011810000001210006134464:RIB

لنتواصل
تابعنا

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي


جميع الحقوق محفوظة للجمعية المغربية للتأليف والترجمة والنشر © 2026

تصميم و تطوير Linkstom Group